محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : يقول الله ردا لقولهم ، وتكذيبا لهم ، يعني لقول القائلين : لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي ، والصنف الآخر : بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي الآية . وبفتح الكاف والتاء من قوله قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ على وجه المخاطبة للذكور ، قرأه القراء في جميع أمصار الإسلام . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك بكسر جميعه على وجه الخطاب للنفس ، كأنه قال : أن تقول نفس : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ، بلى قد جاءتك أيتها النفس آياتي ، فكذبت بها ، أجرى الكلام كله على النفس ، إذ كان ابتداء الكلام بها جرى ، والقراءة التي لا أستجيز خلافها ، ما جاءت به قراء الأمصار مجمعة عليه ، نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الفتح في جميع ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ . . . مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ يقول تعالى ذكره : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى يا محمد هؤلاء الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ من قومك فزعموا أن له ولدا ، وأن له شريكا ، وعبدوا آلهة من دونه وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ؛ والوجوه وإن كانت مرفوعة بمسودة ، فإن فيها معنى نصب ، لأنها مع خبرها تمام ترى ، ولو تقدم قوله مسودة قبل الوجوه ، كان نصبا ، ولو نصب الوجوه المسودة ناصب في الكلام لا في القرآن ، إذا كانت المسودة مؤخرة كان جائزا ، كما قال الشاعر : ذريني إن أمرك لن يطاعا * وما ألفيتني حلمي مضاعا فنصب الحلم والمضاع على تكرير ألفيتني ، وكذلك تفعل العرب في كل ما احتاج إلى اسم وخبر ، مثل ظن وأخواتها ؛ وفي " مسودة " للعرب لغتان : مسودة ، ومسوادة ، وهي في أهل الحجاز يقولون فيما ذكر عنهم : قد اسواد وجهه ، واحمار ، واشهاب . وذكر بعض نحويي البصرة عن بعضهم أنه قال : لا يكون افعال إلا في ذي اللون الواحد نحو الأشهب ، قال : ولا يكون في نحو الأحمر ، لأن الأشهب لون يحدث ، والأحمر لا يحدث . وقوله : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ يقول : أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن تكبر على الله ، فامتنع من توحيده ، والانتهاء إلى طاعته فيما أمره ونهاه عنه . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ . . . وَهُوَ عَلى يقول تعالى ذكره : وينجي الله من جهنم وعذابها ، الذين اتقوه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه في الدنيا ، بمفازتهم : يعني بفوزهم ، وهي مفعلة منه . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ، وإن خالفت ألفاظ بعضهم اللفظة التي قلناها في ذلك ذكر من قال ذلك : حدثني محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ قال : بفضائلهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ قال : بأعمالهم ، قال : والآخرون يحملون أوزارهم يوم القيامة وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ واختلفت القراء في ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة ، وبعض قراء مكة والبصرة : بِمَفازَتِهِمْ على التوحيد . وقرأته عامة قراء الكوفة : " بمفازاتهم " على الجماع . والصواب عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، لاتفاق معنييهما ؛ والعرب توحد مثل ذلك أحيانا وتجمع بمعنى واحد ، فيقول أحدهم : سمعت صوت القوم ، وسمعت أصواتهم ، كما قال جل ثناؤه : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ، ولم يقل : أصوات الحمير ، ولو جاء ذلك كذلك كان صوابا . وقوله : لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يقول تعالى